صديق الحسيني القنوجي البخاري
485
فتح البيان في مقاصد القرآن
وفي الآية بشارة عظيمة ورجاء كبير ، لأن من المعلوم أن الإنسان حال اشتغاله بالظلم لا يكون تائبا فيجوز العفو قبل التوبة ولهذا قيل إنها في عصاة الموحدين خاصة . وقيل المراد بالمغفرة هنا تأخير العقاب إلى الآخرة كما تقدم ليطابق ما حكاه اللّه من استعجال الكفار للعقوبة ، وكما يفيده قوله تعالى : وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ فيعاقب من يشاء من العصاة المكذبين من الكافرين عقابا شديدا على ما تقتضيه مشيئته في الدار الآخرة فتأخير ما استعجلوه ليس للاهمال . عن سعيد بن المسيب قال : لما نزلت هذه الآية قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لولا عفو اللّه وتجاوزه ما هنأ لأحد العيش ، ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل أحد » . وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة لَوْ لا هلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ أي على محمد صلى اللّه عليه وسلم آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ غير ما قد جاء به من الآيات كالعصا واليد والناقة ، وهؤلاء القائلون هم المستعجلون للعذاب وإنما عدل عن الإضمار إلى الموصول ذما لهم بكفرهم بآيات اللّه التي تخر لها الجبال حيث لم يرفعوا لها رأسا ولم يعدوها من جنس الآيات ، وهذا مكابرة من الكفار وعناد وإلا فقد أنزل اللّه على رسوله من الآيات ما يغني البعض منه . قال الزجاج : طلبوا غير الآيات التي أتى بها فالتمسوا مثل آيات موسى وعيسى فقال اللّه تعالى : إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ تنذرهم بالنار وليس إليك من الآيات من شيء وفيه إزالة لرغبته صلى اللّه عليه وسلم في حصول مقترحهم ، فإنه كان شديد الرغبة في إيجاب مقترحاتهم لشدة التفاته إلى إيمانهم ، قاله الخطيب . وجاء في إنما أنت بصيغة الحصر لبيان أنه صلى اللّه عليه وسلم مرسل لإنذار العباد وبيان ما يحذرون عاقبته وليس عليه غير ذلك ، وقد فعل ما هو عليه وأنذر أبلغ إنذار ، ولم يدع شيئا مما يحصل به ذلك إلا أتى به وأوضحه وكرره فجزاه اللّه عن أمته خيرا . وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ أي نبي يدعوهم إلى ما فيه هدايتهم ، ورشادهم بما يعطيه من الآيات لا بما يقترحون وإن لم تقع الهداية لهم بالفعل ولم يقبلوها ، وآيات الرسل مختلفة ، هذا يأتي بآياته أو آيات لم يأت بها الآخر بحسب ما يعطيه اللّه منها ، ومن طلب من بعضهم ما جاء به البعض الآخر فقد بلغ في التعنت إلى مكان عظيم فليس المراد من الآيات إلا الدلالة على النبوة لكونها معجزة خارجة عن القدرة البشرية ، وذلك لا يختص بفرد منها ولا بأفراد معينة . قال الرازي : فهذا هو الوجه الذي قرره القاضي ، وهو الوجه الصحيح الذي يبقى الكلام معه منتظما . انتهى . وقيل إن المعنى ولكل قوم هاد هو اللّه سبحانه عز وجل فإنه القادر على ذلك وليس على أنبيائه إلا مجرد الإنذار . قال ابن عباس : هاد أي داع . وقال مجاهد :